خلود الخميس | «يا فتوى ما تمِّتْ»!

تتابعت عليّ رسائل من أشخاص مختلفي التوجهات والانتماءات، نعم هذا الوصف نستخدمه في الكويت «أم مليون وربع» مواطن، بصور تغريدات تحمل فتاوى لمشايخ دين كلها ضد الإضرابات وتحرمها وتجرم المضرِب وتجعله مفسدا في الأرض، ولم يبق سوى أن تنادي بتطبيق حد قطع يده ورجله من خلاف!
 
فغضبت للفتوى، وليس لمضمون الفتوى، لأن الإفتاء له كرامته ومكانته في الشريعة الإسلامية، ولا يحق لأحد أن يجيّره.
 
لا أدري لمَ تتمسح الحكومات في دول مدنية، بلحى المشايخ بحثا عن فتاوى دينية؟!
 
مالكم والفتوى؟!
 
وما سبب تورط اللحى بفتاوى تؤنب ضمير مواطن يطالب عبر ممارسة دستورية مشروعة قانونا بحقوقه ليصدر فتوى شرعية بتحريم وسيلة المطالبة؟! وكأن الحرام والحلال مسطرة ثابتة وليست «على الكيف» والهوى، بينما في المقابل فإن أي لحية، هذا إن وجدتْ، تتناول بالنقد أو النصح أسلوب إدارة البلاد وتنادي بحفظ الأموال العامة وحسن إدارة الثروة، تواجه بـ: «عمك أصمخ» و«خالك وجدك وفصيلتك بعد»؟!
 
لست هنا أعجب من الإفتاء السياسي، فقد كانت هناك ذات الفتاوى أثناء مسيرات طالبت برحيل حكومة فاسدة، ومن ذات الشيوخ «زد أو انقص منهم واحدا»، ولكن أعجب من أنهم غير مؤثرين عند الفئة الموجهة ضدها الفتوى!
 
«يا فتوى ما تمت» فلا أحد يحترم آراءهم ولا يلقي لهم بالا، بل وأكثر من التجاهل ينالهم من الشتم ما لا يرضينا، فما السبب برأيكم؟!
 
لستُ أسخر من الدين وأحد مظاهره وهي اللحية، ولكنها غضبة لله، ممن لا يتوانى في تسخير الدين بليّ النصوص وإجبار الاجتهادات لإصدار فتوى حسب الطلب وتسبب بإهانة الدين، مثل محام يدافع عن مجرم ينبش في ثغرات القانون وسقطاته!
 
أيها المفتي: لا يليق بشرع الله جل جلاله أن تعامله كمطية، بل أنت تطأطئ له وتخضع.
 
العبث الذي يمارسه المتنفذون بترويض بعض رجال الدين سلوك سياسي معروف ضمن منهج الغاية تبرر الوسيلة، لكن المشين من الأخير أن يبث «الرعب الديني» والترهيب اللامبرر من غضب الله، عندما يرفع مظلوم أو صاحب حق صوته، وكم من نص أنزل في غير محله.
 
الدين لم يشرعن الظلم ولا أمر البشر بمعايشة الذل في الدنيا وإرجاء تحصيل حقوقهم إلى يوم القيامة فقط، بل دعا للسعي وبذل الأسباب مثل الشفاعة الحسنة وأثنى على من يفعلها، والاحتكام للقضاء، والسعي في حاجات الغير، فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، وكثير من الطرق المباحة والمتاحة ليحفظ له التشريع كرامته وإنسانيته وحقوقه، ولتنظم علاقته بالمجتمع والدولة وحتى بأسرته.
 
لماذا تتركون جمال الإسلام وتبثون بشاعتكم؟!
 
لا يوجد فتاوى مطلقة معلبة تصلح لمواضيع شتى من دون الرجوع لحيثياتها، مثل حكمين مختلفين لقضية متشابهة، التفاصيل هي التي تحدد الرأي، والمفتي الذي يعطي للظلم عذرا دينيا سيحاسب عندما يلقى ربه ويُسأل كيف تجرأت على استخدام اسم الله جل وعلا لتمنع الناس حقوقها؟
 
الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أغلظ عليه شخص جاء ليتقاضى منه، وأراد الصحابة أن يهمُّوا به، منعهم وقال «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا» وأحسن إليه في القضاء، فهل أنت أيها المسؤول أكبر قدرا من النبي محمد؟! وهل سيحمل وزرك مفت لم يتورع عن المجاهرة بأن يُجير فاسدا؟
 
انتشار موجات الردة والإلحاد والجرأة على الدين يتحمل أولئك المفتون كفلا منها، فالله يأمر بالعدل وهم يمنحون صكوك الغفران للظالمين، وينصبون المقاصل للمظلومين، إنه انقلاب على النصوص الشرعية!
 
لا أتناول هنا حادثة الإضرابات في النفط، ولا المظاهرات ولا المسيرات، ولكن أتحدث عن «حرمة الفتوى» و«هيبة الدين» اللتين لا شك أن من يمثلونه من مشايخ في المجتمع مسؤولون عن حفظهما.
 
جريدة الأنباء
 
 
@kholoudalkhames