img

فوزية شويش السالم | رسائل تشيخوف العائلية

شهرة تشيخوف ونجاحه الأدبي لم تكن بالنسبة له ذات أهمية أكبر من حياته العائلية وحبه لأمه بوجه خاص، وتعلقه بالطبيعة والعيش بعيدا عن أضواء وضوضاء الشهرة، وهذا ما يتوصل له القارئ من خلال قراءة الرسائل، التي تكشف عن مشاعره تجاه أمه واخوته، ويكرر بأكثر من رسالة رغبته في شراء بيت له حديقة أو مزرعة صغيرة يعيش به بعيدا عن أضواء مجتمع موسكو وشهرته فيها، وهو ما تحقق بالفعل باقتنائه للمنزل والحديقة، لكنه لم يتمكن من الابتعاد عن الكتابة والعمل المسرحي.

رسائله إلى أمه تبين علاقة محبة وصداقة وخوف عليها، والبحث عن الطرق لتوفير الراحة لها، وخلال رحلته الطويلة القاسية الصعبة التي جاب فيها مقاطعات روسيا من سيبيريا والقوقاز إلى الحدود الصينية على متن سفن قديمة ومركبات تجرها الحصن، لم يتوقف يوما عن الكتابة إلى أمه واخوته ونصائحه لهم ومداراته لأحوالهم.

وحبه للعيش بالطبيعة هو الدافع للقيام برحلات متعددة للمقاطعات الروسية والدول الأوروبية.

رسائل تشيخوف تكشف عن عوالم لمدن وأمكنة وأناس وطبيعة وعادات وتقاليد وحكايات غريبة تصلح أن تُكتب بسيناريو لفيلم عظيم يمثل حياة صعبة غابت واندثرت بتلافيف حقبتها، وهذه الرسائل الوثائقية بغاية الأهمية لتسجيلها وتصويرها الدقيق والحقيقي لها.

من ألطف ما تكشفه الرسائل هذا الكلام الموجه لأمه يبين حرصه على ألا تنساه خلال غيابه الطويل عنها: "إننا نقترب من بلاجوفيشينسك، انعمي بمفور الصحة والبهجة، ولا تعتادي على الحياة بدوني. لا شك أنك بدأت تعتادين ذلك! لكم كل التحية والاحترام، وقبلة محبة".

وعندما استطاع شراء البيت كتب لأخيه: "بالقرب من هنا يوجد مخبز وسوق شرقية، وسيكون ذلك مناسبا لأمي ومريحا لها كذلك، وبالمناسبة بوسع أمي أن تتسلى بجمع الفطر الصالح للطهي والبوليط خلال فصل الخريف".

ورغم شهرته الواسعة وإعجاب الناس بكتاباته فإن بداخله يكمن واحد آخر لا يحب الكتابة، ويحلم بالتحرر من قيودها، وهذا مقتطف من رسالة موجهة إلى أخيه: "مشغول بالعناية بالأرض، أقوم بتعبيد طرقات جديدة، وأزرع الزهور، وأقطع الأشجار الذابلة، وأطارد الدجاج والكلاب لإخراجها من الحديقة. إن الأدب يقوم بدور أوكتافيوس الموجود دائما بالخلفية. لم أعد أرغب في الكتابة، وحقيقة من الصعب الجمع بين الرغبة في الحياة والرغبة في الكتابة. أحلم بأن أربح أربعين ألفا، لأتوقف تماما عن الكتابة، التي أزهدها، وذلك لأشتري قطعة صغيرة من الأرض وأعيش مثل ناسك في معتزل مثالي".

وربما تكون هذه أزمة كل كاتب، حيث إن هاجس الكتابة موجود دائما في داخل الكاتب، مما يحرمه من الانغماس في متعة العيش.

ورسائله تظهر تواضعه وعدم اهتمامه بشهرته وهروبه منها، وهذا مقتطف من رسالته لأخيه: "أخبرني الساقي فجأة أن مساعد رئيس الشرطة يريد رؤيتي. ما سبب ذلك؟ هل السياسة؟ هل يشتبهون في أنني فولتيري؟ أجبت الساقي، أُطلب منه الدخول. دخل سيد مهذب بشارب طويل وقدم نفسه. يبدو أنه مهتم بالأدب، بل هو نفسه كاتب، ودخل عليّ في حجرتي كما لو كان داخلاً على النبي محمد في مكة ليعلن إسلامه".

وفي رسالة أخرى يكتب: "وكانت نتيجة تزايد شهرتي الأدبية أنني حظيت بعدد من الطلبات والدعوات، ومن ثم المزيد من العمل والضغوط والاستنفاد. عملي مرهق للأعصاب، ومزعج ويخلف ضغطا. إنه عمل جماهيري ويفرض الشعور بالمسؤولية، بما يضاعف من صعوبته. وكل صحيفة قدمت تقريرا عني. تتسبب في القلق لي ولأسرتي، وتُقرأ قصصي بمحافل عامة، وأينما ذهبت يشير الناس نحوي، يربكني التزايد المستمر في أعداد من يعرفونني، وغير ذلك من تغيرات. لا أهنأ بيوم واحد من السكينة، وأشعر أنني أسير على الأشواك كل دقيقة".

يبدو أن هناك ارتباطا بين عزلة الكاتب وشروط الكتابة، الصمت والسكون والعزلة هي منبع للإبداع الأدبي والفني، لذا عندما يلجأ الكاتب والفنان إلى عزلته هروبا من فنه أو كتابته، لا يدرك حينها أن فنه أو أدبه هما من أوحيا عليه بالهروب إلى عزلته.

رأيه بطريقة الأداء المسرحي جدا مهم: "يجب التعبير عن المعاناة بالطريقة التي يتم التعبير بها في الحياة، وليس بالأيادي والأرجل، بل بنبرة الصوت ودرجة التعبير، ليس بالإيماءات، وبرشاقة. إن الانفعالات الرقيقة للروح في الأشخاص المتعلمين يجب التعبير عنها ظاهريا بخفة".

جريدة الجريدة

فوزية شويش السالم