img

د. عبدالحميد الأنصاري | قضايا ومعوقات تجديد الخطاب الديني (12)

الإسلام العقلاني

يقصد بالإسلام العقلاني هنا الإسلام الذي يسعى أصحابه إلى تغليب العمل العقلي في اجتهادهم في فهم النص الديني على الرأي الفقهي الموروث والسائد في المجتمع، والمعتمد لدى الجهة الدينية الرسمية، وعلى مر التاريخ الإسلامي اشتهرت مدرستان بإعمال العقل في فهم النص، بصورة أوسع وأشمل وأجرأ من بقية المدارس الفقهية، والفرق الإسلامية، وهما: مدرسة المعتزلة التي ظهرت في القرنين، الثاني والثالث الهجريين، ومدرسة الإمام محمد عبده وتلاميذه من بعده، منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى عصرنا.

ولا يفهم من هذا الكلام أن إعمال العقل في الاجتهاد الفقهي تاريخياً اقتصر على هاتين المدرستين، فكل المدارس والفرق الإسلامية اعتمدت العقل في اجتهاداتها الفقهية وطروحاتها العقدية، لكن بدرجات متفاوتة بينها، وبشكل أضيق وأقل جرأة من مدرستي المعتزلة ومحمد عبده العقليتين. يهمني في هذا المقال عرض نماذج من الاجتهادات العقلية لمدرسة الإمام محمد عبده وتلاميذه من شيوخ الأزهر الشريف، ومن تأثر باتجاهه العقلاني من علماء ومفكرين، في مجالات: تجديد الخطاب الديني، وإصلاح التعليم الديني وتطويره، توضح تحرر الإسلام العقلاني من قيود الإسلام التراثي.

1- إمام المجددين الشيخ محمد عبده (1849-1905) إعمال العقل عند الإمام هو الأصل الأول في الإسلام، فبالعقل تبرهن المرتكزات الثابتة للعبادات التي يستقيم عليها الإيمان، من إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته، إلى صدق النبوة وشمولها- عقيل عيدان: العقلانية عند الشيخ محمد عبده.

اهتم الإمام بتصحيح النظرة الإسلامية للمرأة وإصلاح الأسرة، ووقف ضد تعدد الزوجات، وقال: لقد أباح الله تعالى التعدد بشرط العدل، والعدل غير ممكن تحققه، إذاً لا يجوز التعدد. وعارض (النقاب) واعتبره عادة مستوردة، ودافع عن كشف المرأة لوجهها، وعلى من يخاف الفتنة أن يغض بصره، كما ناصر عمل المرأة وحقها في المناصب، وأباح أرباح التأمين على الحياة، والإيداع في صناديق التوفير، وأخذ أرباحها، والأكل من ذبائح غير المسلمين للضرورة، ولم ير السحر جزءاً من العقيدة- في مئوية الشيخ عبده، خليل حيدر- ولم يقل بحرمة التماثيل إلا إذا اتخذت للعبادة.

2- الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (1893-1963) أبرز أئمة تجديد الخطاب الديني في العصر الحديث، كانت فتاواه نوراً يهتدي به المسلمون، ومن أهم اجتهاداته: حل إيداع الأموال في صناديق التوفير، وأفتى بأن للمرأة حقوقاً كاملة، ولها التصرف، دون ولي أو وصي، في كل حقوقها، حتى مباشرة عقد زواجها، وأجاز قبول شهادة المرأة الواحدة، وإباحة الغناء والموسيقى، وتعلمها وتدريسها، وسعى إلى توحيد كلمة المسلمين، فحارب العصبية المذهبية والدينية، حتى أن مدرسة الراهبات علقت صورته مع صور القساوسة والرهبان، وساهم في تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأصدر، وللمرة الأولى في تاريخ الخلاف السني الشيعي، فتوى باسمه وباسم الأزهر، تؤكد الشيعة مذهباً إسلامياً يجوز التعبد بفقهه لأي مسلم، وأدخل دراسة الفقه الجعفري والزيدي في الأزهر، وعقب الفتوى، زاره وفد كبير من علماء إيران في بيته تكريماً وتعظيماً، وكان يقصده الإمام القمي، فإذا حضرت الصلاة، كان الشيخ يقدمه للإمامة دون أي حرج، ويقول: أنا سني وأحب الشيعة.

3- الشيخ أمين الخولي (1895-1966) يقوم المنهج التجديدي عند الخولي، على دعامتين:

الأولى: الإعلاء من شأن العقل على النقل، وإخضاع النقل لعمل العقل، ولذلك انتقد التفسير العلمي للقرآن الكريم، لأنه يقيد حركة العلم، ولأن القرآن ليس كتاباً للعلم، بل كتاب هداية، كما رفض موقف الأشاعرة لمشكلة السببية، لأنها تنفي مسؤولية الإنسان، وتلغي العلية في نظام الكون.

الثانية: الإيمان بالمنهج التطوري الشامل للكون والحياة والاجتماع والأديان والعقائد، ومن هنا ربط التجديد الديني بحركة التطور المجتمعي، ورأى أن قدرة الإسلام على الاستمرار تنبع من قدرة الفكر الإسلامي على قراءة الإسلام قراءة متجددة، تراعي حركة الزمن والبيئة والمجتمع- الإسلام العقلاني، د. أحمد سالم.

ختاماً: قائمة رموز الإسلام العقلاني طويلة، منهم: الشيخ محمد الطاهر عاشور والشيخ الغزالي وجمال البنا ... إلخ، والمقال لا يتسع لذكرهم جميعاً، لكن السؤال المطروح: لماذا لم ينتشر الإسلام العقلاني؟!

* كاتب قطري

جريدة الجريدة