img

د. عبدالرحمن الجيران | الانحراف وأسباب الإلحاد "1 - 2"

بالبحث عن المسوغات التي مهدت لانتشار الالحاد بهذه الصورة بعد ثورات الربيع المزعوم نجدها لا تتعدى هذه المحاور، وهي:

 

- فساد التصور وسوء الظن بالله، وهذا معناه فهم الإسلام بصورة مشوهة.

- فساد الإرادة والقصد، وهذا معناه المقاصد المنحرفة التي حجبت الخير عن الناس.

لجهة عموم آفة الآفات وهي الجهل، ولهذا قالت العرب ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه والجاهل هالك والله تعالى فرق بين العالم والجاهل حيث يقول «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»... كثرة الاهواء وخفاء التوحيد والسنة وهذا ملاحظ اليوم بصورة جلية حيث تشعبت بنا الرايات ولا ندري أين الطريق؟

- كيد الكفار من اليهود والنصارى وأعوانهم ممن لعق زبالات الغرب وأصبح عونا للكفار على المسلمين.

- ترجمة كتب الفلاسفة والملاحدة والروايات الأدبية بحجة الانفتاح والتطوير والتواصل الحضاري، فكانت النتيجة مزاحمة الشريعة وضياع العقيدة والقيم واختلاط الغث بالسمين واندراس معالم الدين وسُننه.

وبرز علماء السوء ورهبان الدينار والدرهم، وتقوّلوا على الله ما لم يقل وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وتابعهم خلق كثير وحرّفوا الديانات وبدّلوا رسومها بغيرها.

متى وكيف بدأ الالحاد؟

أصل كلمة حرف تطلق على الشيء، ويُعنى بها طرف الشيء وشفيره وحدُّه. وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعبد الله عَلَى حَرْفٍ} سورة الحج 11 أي: على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، وتطلق على تحريف الكلام عن مواضعه أي تغييره. ويقال حَرّف الشيء عن وجهه: أي صرفه.

وأهل التحريف: هم المحرفون لنصوص الصفات، وأوامر الشرع ليوافق أهواءهم.

قال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسمعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسمعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا (46)} سورة النساء 46، وهؤلاء هم اليهود، كانوا يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى يحرفون يتأولونه على غير تأويله، وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين.

قال أهل العلم في بيان حال هؤلاء المنحرفين: كل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى ابليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} سورة الأعراف 12.

والانحراف الفكري هو الميل بالعقل عن الجادة السليمة للتفكير السليم، وأهل الانحراف هم المغيرون لمنهج التفكير السليم، وهذا الانحراف هو الذي أوقعهم في الشر والفتنة، وحصل لهم به الخوف، وزال الأمن من مجتمعهم.

وطائفة أخرى من المنحرفين الذين انحرفوا في فهم ماهية الحضارة وطبيعتها، وهم الذين بهرتهم مظاهر الحضارة المادية البحتة، وجعلوا التقدم والرقي محصوراً في الآلة والماكينة والتكنولوجيا فقط، وطمست بصائرهم عن ادراك حقيقة الرقي الحضاري الإنساني الإسلامي الشامل المتصل بالإنسان نفسه لا بمجرد الوسائل التي يستخدمها، وذلك انما يكون بعقائده ومفاهيمه عن المبدأ والغاية من الوجود والأخلاق والسلوك والأمن الفردي والجماعي وطمأنينة القلب.

والخلاصة أقول بأن الحضارة ومفهوم الأمن الشامل لا يختلفان من حيث استهداف الإنسان من حيث توفير أسباب الأمن المادية والمعنوية، وبذلك نقضي على أسباب الانحراف بنوعيه.

وبمفهوم الحرية الصحيح الذي عرفه المسلمون في تاريخهم، أنها حرية في اطار العبودية لله تعالى وحده، وبهذا المفهوم نستطيع ان نصل إلى الأمن التام في المجتمعات الخليجية، ونستطيع كذلك ان نقضي على أسباب الانحراف ودواعيه في مجتمعنا المصغر.

dr.aljeeran2017@gmail.com

 

 
د. عبدالرحمن الجيران

جريدة الراي