img

د. وائل الحساوي |  بيوتنا تعيش فينا!

شاهدت شريط فيديو لصيني يذهب إلى السوق من دون أن يحمل في جيبه غير بطاقة صغيرة يتمكن عن طريقها من إدخال رقم خاص لسحب النقود وتسديد أسعار الخدمات، ورقم لقيادة إحدى السيارات المركونة في أحد المواقف وهكذا!

والحقيقة أنه لا غرابة في ذلك الاختراع الذي أصبح قريباً جداً من التحقق، ولكن الغرابة هي في تحول الهواتف النقالة التي نستخدمها اليوم إلى مصنع متكامل يحتوي جميع دقائق التفاصيل في حياتنا، فتفاصيل المستندات الوثائقية من بطاقة مدنية وجواز وجنسية وغيرها مخزنة بالكامل في تلك الهواتف، وأرقامنا لحسابات البنوك والحسابات السرية كلها مخزنة كذلك، كما أن أرقام هواتف كل من نعرفهم موجودة كذلك في الهاتف!

 

وكم رأينا من صديق يترجانا إرسال أسماء من يعرفهم وأرقام هواتفهم لأنه قد أضاعها من هاتفه ولم يعد يعرف من حوله!
الكتب التي كنا نبذل الجهود المضنية للوصول إليها، أصبحت متوافرة وسهلة التنزيل، بل حتى الموسوعات الضخمة وكتب الأولين، ولكن من يقرأ تلك الكتب؟!

كذلك، فإن أجهزة تحديد المواقع قد تطورت بشكل مذهل وأصبحت رباعية الأبعاد، وتدلنا على ما يجري في عالمنا وتكشف لنا أسراره بكل دقة ووضوح!

إننا بحق نحمل اليوم بيوتنا في جيوب ثيابنا ونتعامل مع عالمنا بكل أريحية... لكن السؤال الذي يقلق الكثير منا هو عن مدى قدرتنا على حفظ تلك الأسرار من دون أن نتعرض للنسيان أو النصب من الآخرين!

فهذه الأرقام السرية التي أصبحت مفتاحاً لكل شيء في حياتنا، كيف نضمن ألا يتم الاستيلاء عليها واستغلالها ضدنا، بل وماذا عن مشكلة النسيان التي نعاني منها جميعنا؟

على سبيل المثال، فإن عملة البيتكوين (Bitcoin) الافتراضية التي ظهرت علينا خلال سنوات قليلة واستبعدت النقود الحقيقية عن التعامل، ووصلت إلى أرقام خيالية بآلاف الدولارات من دون أن تخضع لتنظيم دول أو بنوك للتحكم فيها، ماذا لو تم استغلالها لسرقة نقودنا في البنوك والاستيلاء على مدخراتنا، ويوجد اليوم أكثر من 120 عملة مشابهة «للبيتكوين» يتم التعامل بها عالمياً؟

وماذا عن البنوك السرية التي لا يعرف عنها إلا القليل من الناس والتي تحول العملات من مكان إلى آخر مثلما يتم تحويل العملات عبر العالم عبر جزر البهاما والكناري وغيرها؟!

 

هل نضمن ألا تتحول أموال العالم إلى تلك المواقع ويفاجأ الناس بأن جميع مدخراتهم التي جموعها طوال أعمارهم قد تبخرت؟!
إن أعداد المجرمين في العالم تزداد يومياً باطراد، وأطماع الناس تزداد كذلك، بينما التفاوت في دخول البشر يتفاقم بدرجة غير معقولة، فهناك من لا يحصل إلا على بقايا الفتات أو يتغذى من القمامة مقابل من لا تتسع خزائن العالم لاحتواء ثرواتهم، فهل نضمن ألا يتسبب ذلك في انفجارات اقتصادية مثلما رأيناها في بلدان عدة خلال السنوات الماضية؟!

لست أتكلم عن التحولات الاقتصادية التي تجري حولنا، ولكن الأهم هو عن مصير ثرواتنا التي استأمناها في حواسيب متقدمة حول العالم، وقد نستيقظ يوماً لنرى ثرواتنا قد تبخرت وأصبحت في جيوب «بلاع البيزة» الذين يملؤون العالم من حولنا.

د. وائل الحساوي

جريدة الراي