د. عبدالحميد الأنصاري | "البلطجة !"

ماذا يسمى من يستخدم القوة للاعتداء على الآخرين بدون وجه حق، أو يفرض رأيه عليهم بقوة السلاح أو يرتكب أعمالاً مخالفة للقانون، كقطع الطريق على المارة، وغير ذلك من أعمال منافية للقانون والعرف؟
يسمى "بلطجياً"، وهذه الأعمال تسمى "بلطجة"، وهو اسم منحدر من الأتراك "بلطة" و"جي" أي صاحب البلطة، هكذا تعارف العقلاء في كل مكان، حسناً: ماذا نسمي قيام البحرية الإيرانية بإطلاق النار لترهيب سفينة شحن أميركية تحمل علم جزر مارشال، كانت تبحر في المياه الإقليمية للسعودية والإمارات، والاستيلاء عليها وإجبارها على الإبحار إلى ميناء بندر عباس واحتجاز السفينة وطاقمها الـ"٢٤" من جنسيات مختلفة؟!
أليس عملاً من أعمال البلطجة؟! تتعلل إيران باستحقاقات مالية على الشركة المالكة للسفينة، وصدور حكم قضائي عليها، ولكن ألا تدرك إيران أننا لو سمحنا لهذا المنطق أن يحكم العالم، بمعنى أنه من حق أي دولة لها مطالبات مالية على آخرين، أن يحتجزهم بقوة السلاح، فإن الفوضى ستسود، ولن يأمن أحد على نفسه وماله؟!
ألا تدرك إيران أن هناك أساليب قانونية دولية لتسوية مثل هذا الخلاف؟! إيران تدرك كل ذلك، لكنها أرادت أن ترد على اعتراض حاملة الطائرات الأميركية قبل أسبوعين لسفنها التي حاولت اختراق الحصار على موانئ اليمن، والمدهش أن القوة العظمى ابتلعت الإهانة، ووصفتها بالعمل الاستفزازي، ونفت أن يكون لها أي تأثير على مفاوضاتها النووية مع إيران، لأن القوة العظمى حريصة على الفصل بين الملف النووي لإيران وتصرفاتها الإقليمية! وحفظاً لماء الوجه أبدت البحرية الأميركية استعدادها لحماية سفن تطلب مساندتها.
إذا تركنا هذه القضية إلى قضية أخرى، هي قضية التهديدات والاستفزازات الإيرانية المستمرة على امتداد عشر سنوات، من مسؤولين إيرانيين سياسيين وعسكريين ودينيين لدول مجلس التعاون، من غير سبب يستدعي مثل هذا التهديد والاستفزاز... ألا يعد ذلك من قبيل أعمال البلطجة؟!
وقضية ثالثة، الخليجيون معروفون منذ القدم بسياسة "الأدب الجم" مع الآخرين، وخصوصاً مع الجارة المسلمة إيران، هي شريكتهم التاريخية والجغرافية على الضفة الأخرى، يكنون لشعبها كل مودة ويتمنون لدولة إيران، كل تقدم وازدهار، ويحرصون على آداب حسن الجوار، بوازع من دينهم وبباعث من أصالتهم، لم يتدخل الخليجيون قط في شأن داخلي إيراني، ولم يحرضوا أو يدعموا أو يسلحوا فصيلاً إيرانياً معارضاً ضد حكومته.
 لكن انظر في المقابل السلوك الإيراني في المنطقة، تتسلل كاللصوص خفية من الشبابيك ومن وراء الأسوار، وتتغلغل في البيت العربي، وتتدخل في كل شأن عربي، تحشر أنفها في كل خلاف سياسي عربي، توجد في كل بؤر الصراع، حتى انطبق عليها المثل العربي "بكل واد أثر من ثعلبة"، تجند العملاء في كل مكان، وتسلح الميليشيات المارقة على حكوماتها، وتشتري الولاءات، وتصطنع "لوبيات" عربية تدافع عنها، تجوّع شعبها وتهدر المليارات على شبكاتها وخلاياها في دول المنطقة، بل تحتضن عدوتها "القاعدة" وتنفق عليها كما تنفق على عملائها... لماذا؟! لهدف واحد التخريب وزعزعة الاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من عقدة الكراهية للعرب جميعاً.
إيران اليوم هي العامل الأعظم في تغذية الطائفية، فالكل يعرف، ولقرون خلت، أن السنّة والشيعة في دول المنطقة عاشوا إخواناً متحابين، يتصاهرون ويتاجرون ويتزاورون ويتعاملون بكل مودة واحترام، إلى أن جاءت الثورة الإسلامية في إيران ونفخت في نار الطائفية، لتشعل المنطقة! تبعاً لما سماها الكاتب الصحافي غسان شربل سياسة "تفجير الخرائط".
 وقد يظن البعض أن إيران بهذه السياسة الطائفية تخدم مصالح إخواننا الشيعة في المنطقة، وهو ظن غير صحيح، لأن إيران- أولاً وأخيراً- تخدم مصالحها فقط، طبقاً للمرجع الشيعي العراقي آية الله الصرخي، الذي صرح بأن "تدخل إيران بالمنطقة دفاع عن مصالحها فقط، لكن الشيعة وقودها".
إيران بعثت الطائفية من مرقدها، من خلال تدخلاتها السافرة والفجة في سورية والعراق ولبنان واليمن، كما يقول الكاتب حمد الماجد في مقالته: "من الطائفية أن تنبزنا إيران بالطائفية"، والأسوأ من كل ذلك، أن إيران جنت على العرب الشيعة، فهذا التدخل المتدثر بالغطاء الطائفي أساء إليهم وهمّش صورتهم الوطنية المشرقة، واختصرهم بخطاب مذهبي متشدد، وغيّب شخصيات شيعية عظيمة ونبيلة، كما يقول الكاتب داود الشريان في مقاله: "ماذا قدم حزب الله للعرب الشيعة؟".
إذا لم يكن هذا التمدد التخريبي التأزيمي عملاً من أعمال "البلطجة" فماذا تكون "البلطجة" إذاً؟!
 
*كاتب قطري
 
جريدة الجريدة